فضفضة: ملاذ آمن لدعم الصحة النفسية في سوريا

”أبكي من دون سبب واضح. انا أفضل ان أبقى وحيدة. في رأسي 1000 كلمة، لكن لا شيء يصف ما أحس به. نعم، لم أفكر فقط في إنهاء حياتي، لقد حاولت فعلاً. لفترة طويلة، اعتقدت أن السحابة الرمادية ستكون رفيقي الوحيد . يا آلهي الان كورونا والحجر، نحن عالقون، لا أكسجين، لا أمل“ هذه الكلمات اليائسة لامرأة تبلغ من العمر 26 عاماً تعيش في سوريا.

أكثر من تسع سنوات من الحرب خلفت 11.7 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة و 6.2 مليون نازحٍ داخلياً، بعضهم نزح لعدة مرات على مر السنين. مع وجود ما يصل إلى 83 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، فإن القليل من السوريين من نجا من الآثار المباشرة وغير المباشرة لما يشكل إحدى أكبر أزمات النزوح في العالم، وما زال الملايين منهم يعتمدون على المساعدات الإنسانية من أجل بقائهم على قيد الحياة.

تقدر منظمة الصحة العالمية أنه في المناطق المتأثرة بالنزاعات، يعاني شخصُ واحدٌ من كل خمسة أشخاص من شكل من أشكال الاضطرابات العقلية، سواء من الاكتئاب الخفيف أو القلق إلى الذهان. والأسوأ من ذلك، أن فرداً واحداً من كل عشرة أشخاص تقريبًا يعاني من اضطراب عقلي متوسط أو شديد.

”ظننت أنني سأحملها معي إلى القبر ولن أستطيع أن أخبر أحداً أبداً. لكن الطبيب النفسي ساعدني على التعبير عن أفكاري منذ الجلسة الأولى. كنت متفاجئة وكان علي أن اعبر عن هذه الأفكار. فبعد كل جلسة، شعرت أن لدي الطاقة للتغلب على التحديات التي أوجهها. لقد احتجت هذا فعلاً“ هذا ما قالته امرأة تبلغ من العمر 25 عامًا تتلقى الدعم من أول منصة دعم نفسي اجتماعي عبر الإنترنت في سوريا أطلقها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP.

تمثل جائحة كورونا عبئاً إضافياً، أزمة داخل أزمة، والتي تهدد الشعب السوري بآثار اجتماعية واقتصادية، مما يفاقم معاناة السكان الأكثر هشاشة على مدار الأشهر والسنوات القادمة.

كما عبًر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس بقوله: ” إن الصحة العقلية هي جوهر إنسانيتنا. فيروس كورونا لا يهاجم صحتنا الجسدية فقط؛ بل إنه يزيد من المعاناة النفسية: الحزن على فقدان الأحباء، والصدمة من خسارة العمل، والعزلة والقيود المفروضة على الحركة ، صعوبات عائلية ، وعدم اليقين والخوف من المستقبل “

بالإضافة إلى ذلك، أدت الأعراف الاجتماعية السيئة الموجودة مسبقًا وعدم المساواة بين الجنسين، إلى جانب الضغط الاقتصادي والاجتماعي الإضافي الناجم عن جائحة كورونا ، إلى زيادة هائلة في العنف القائم على النوع الاجتماعي (GBV) حيث يتم حرمان النساء والفتيات الصغيرات من الدعم.

”يتعرض أولئك الذين يعانون من أعراض نفسية والكــآبة لنظرة دونية من قبل المجتمع والعديد ممن يحتاجون إلى رعاية يفضلون عدم الحصول على خدمات الصحة النفسية. لذلك شعرنا بالحاجة إلى خلق مساحة آمنة يسهل للأشخاص الوصول إليها للحصول على المساعدة بسرية تامة“ تقول لينا طه، مديرة المشروع ومحللة النوع الاجتماعي في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا.

أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية منصة الدعم النفسي والاجتماعي عبر الإنترنت في أغسطس/آب 2020. وتوفر المنصة الدعم من خلال وسائل الاتصال الافتراضية بشكل يضمن السرية، وهي متاحة للأشخاص في جميع أنحاء البلاد بما في ذلك المناطق التي يصعب الوصول إليها، مثل إدلب والرقة. يمكن للأفراد التواصل دون الكشف عن هوياتهم، وترك وصف موجز للمشاكل التي يواجهونها والإشارة إلى الوقت المفضل ووسائل الاتصال المفضلة. ثم يتم تحديد الأولوية للحالات حسب طبيعتها وشدتها، ويتم تعيين أخصائي للاتصال ومتابعة الحالة مجاناً.

تتألف الشبكة من 26 أخصائياً، بما في ذلك الأطباء النفسيون وعلماء النفس وعلماء الاجتماع ومعالجو النطق ومستشارو الدعم الأسري، يعملون على مدار الساعة، لمدة ستة أيام في الأسبوع. وقد استجابت المنصة بالفعل في الشهرين الأولين منذ إطلاقها لأكثر من 2500 حالة.

قالت والدة طفل يبلغ من العمر 10 سنوات يعاني من اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD): ”ابني ذكي للغاية، لكنه يكره المدرسة لأنه يشعر بالرفض هناك. قمنا بزيارة العديد من الاختصاصيين وقمنا بتغيير العديد من المدارس، حتى الخاصة منها، لكن ذلك كان غير مجدٍ. كانت ”فضفضة“ الملاذ الأخير بالنسبة لي، شعرت بأنني سٌمعت لأول مرة، وأحسست بالفرق من الجلسات الثلاث الأولى. أنا سعيدة جدًا اليوم، لقد قدم أبني عرضاً في فصل العلوم وكان أداؤه جيداً!“

”تتراوح أعمار غالبية الحالات بين 19 و29 عامًا، هم من نشأوا خلال سنين الحرب. القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة هو التشخيص الأكثر شيوعاً. حيث يؤدي فقدان الثقة بالنفس والأمل والإحساس بالفراغ إلى سلوكيات متهورة وآليات تأقــلم سلبية. مع عدم وجود أمل كبير في المستقبل، فإنهم يشعرون أن لا أهمية لحياتهم.“ قال الدكتور مازن خليل، الطبيب النفسي ومشرف المشروع: ” أحد التحديات الرئيسية التي نواجهها هي الحالات المعقدة التي تحتاج إلى مزيد من العلاج والمتابعة الشخصية وهي خدمة غير متوفرة حالياً “.

بفضل المنحة السخية من حكومة اليابان، سيتمكن الآلاف من السوريين في جميع أنحاء البلاد من الوصول إلى الدعم النفسي والاجتماعي من المتخصصين لمساعدتهم في الأوقات الصعبة.

واختتمت لينا طه بالقول: ”من الصعب إدارة تدفق الحالات مع العدد المحدود من الاختصاصيين لدينا في الوقت الحالي، وآمل حقاً أن نتمكن من تأمين المزيد من التمويل لتوسيع شبكتنا في المستقبل القريب“.

أقرأ القصة باللغة الإنجليزية هنا

Empowered Lives. Resilient Nations.