كلّفت بمهمة إعداد تقرير صحفي، لأشاركه بحملة الستة عشرة يوماً لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي. المصدر الأول للحصول على البيانات لمادتي؛ كان ما يجود علي به محرك البحث "غوغل" ، لتتصدر أخبار الحمل أعلى القائمة، بالإضافة إلى نصائح الخبراء لمن أرادت الإنجاب فوق الخامسة والثلاثين، وما أضرار الحمل على صحتها وجنينها في حال حصوله، وما إلى هناك من المعلومات الصحية التي تؤطر المرأة بمهمة الحمل والإنجاب.

نتائج محرك البحث هي أسئلة الجمهور التي تعكس الواقع الذي نعيشه بعبارات ”أزمة منتصف العمر“، ”سن الياس المبكر“، ”عانس“ وغيرها من الجمل التي ترافق مسامعنا كنساء سوريات ”ذنبهنّ“ أنهنّ لسن متزوجات. مذ كنا صغاراً ونحن نرتطم بجدران: ”لا تعملي هيك ، هالشي بأثر على سمعة بناتك فلا يأتيهم العريس اللقطة، قومي ارقصي خلي النسوان يشوفوكي، تلحلحي شوي خليني أفرح فيك“. ولم نع خطورة ما نسمع، فتربية الأهل تلعب دوراً فاعلاً بغرس الفكرة لدى الأبناء والبنات لتصبح محور حياة لنا.

تتحدث نور (30 عاماً) عبر دردشة ”أون لاين“، عن تجربتها، وهي متزوجة ولديها طفلان وطالبة جامعية تركت دراستها، فتقول: ”الناس مابتترك حدا بهمه، أنا وببيت أهلي بيسألوا ليش لسا ماتزوجتي؟ ماعم يجيك عرسان؟ تزوجت، وفشيت قلبهم، بلشوا يسألوني ما صار عندك أولاد؟ وخاصة أنّ حملي تأخر سنوات لمشاكل صحية، فحملت وانجبت الصبي وقلعت عيون الكل فيه! فصاروا يقولولي يلا لحقيله أخ بيتسلوا سوا“

تغيب نور لدقائق لانشغالها بأطفالها، تعود لتكمل حديثها: ”انجبت فتاة، ولسا الحبل عالجرار، كلام الناس ما بيخلص، ما عاد لحقت اهتم بحالي وفكر بمستقبلي، حياتي صارت بيتي وزوجي وأولادي وفقط، ومهمات الأم يلي فرضها المجتمع؛ متعبة جداً“، تتنهد بسخرية وتقول: ”بكفي صرت متزوجة، وعلى أساس، شوري من راسي“

تقول خديجة (47 عاماً) امرأة تزوجت بسن الأربعين من رجل أرمل لديه ثلاثة أولاد: ”عشت حياتي كخادمة لإخوتي وأولادهم، أربي وأتعب معهم وكأنه أمرٌ مفروض عليّ لكوني لم أتزوج، لم يكن لدي خياراً وقتها، فهم يشعرونني بأني عالة عليهم، وأنا أريد جزءاً من صرفهم علي بمساعدتهم في منازلهم“.

تتنفس خديجة الصعداء وهي تجيب عن سؤال: ”ماذا لو تواجدت طريقة لعدم خدمتهم؟“، فتقول: ”لو كان عندي استقلال مادي أو معنوي كنت ملكة نفسي، ولكن عشت بدائرة العيب والناس بتحكي علينا“.

تبتسم خديجة بحزن وتكمل: ”أتى الفرج وتزوجت، و على قول المثل الرجال رحمة لو كان فحمة، صرت متزوجة، وبطلت (عانس)، بس هلق كلمة (عقيم) رح تلاحقني حتى الممات“.

تروي عفراء موظفة في القطاع العام (44عاماً) ما يحصل معها فتقول :”مازال يأتيني عرسان، ولكن لم يعد بمقدوري إنجاب الأطفال وإذا تزوجت لح يقولوا منشان بسطها، فهم يربطون الزواج بالأمومة وحسب “.

تخبرنا غالية، دكتوراه بعلم النفس، غير متزوجة، عن تجربتها مع نظرة المجتمع فتبوح: ”مهما حصلت على شهادات أكاديمية عالية المستوى ومهما عملت؛ أبقى بنظر المجتمع ”حرف ناقص“ لعدم زواجي، وكأن العريس في جعبتي“ تضحك غالية وتضيف: ”رح أعمل شو مابدي وأتركهم بطغيانهم يعمهون“.

نسرين شابة عازبة بعمر الـ32 عاماً تروي لنا تجربتها في تنميط المجتمع لها سيما في عملها بالمجال التعليمي، تقول: ”بتعجب من أسئلة طلابي بالثانوية وقت يسألوني آنسة: أنت حلوة ومتعلمة ليش لهلق ما تزوجتي؟ فبرد بتأفف : ما إجا النصيب!“.

مُلك من؟

كل هذه الأدوار فرضت علينا وكأن حياتنا ليست ملكناَ ولا نملك حق الاختيار فيها وانما ملك الجميع والمجتمع، ومن هنا كان لابد من مفاجئته يوماً بعكس ذلك، فما زلنا نسمع بعد كل إنجاز نفعله مهما عظم ”تزوجي وجيبي كم ولد بتفرحي بحالك، بدك رجال جنبك ليحميك، الحياة صعبة بدون رجال“، ولكن أعزائي إن لم نتزوج لا نشعر أن القطار فاتنا، فلا تختصر حياة المرأة بالزواج والإنجاب، وكما هو ردي لمن يبارك لي بتخرجي عند قوله: ”عقبال مانفرح فيك!“ لـ أجيب: ”أنا فرحانة بحالي على طول، وقت بتكون فاضي، تعال وافرح معي“.

______________________________________

بقلم: محاسن عبدالحي، خريجة إعلام واحدى المشاركات في ورشة عمل ”حديثينا يا شهرزاد“ برعاية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا والتي تضمنت 20 امرأة سورية من مختلف الخلفيات الثقافية والفئات العمرية لتمكينهم من أدوات الكتابة والتدوين للتعبير عن قضاياهن والدفاع عنها، وتصحيح المفاهيم المغلوطة حول العدالة الجندرية في المجتمعات المحلية.

تعرف أكثر على قصة محاسن من خلال هذا الفيديو القصير وكيف كسرت الصورة النمطية وبدأت رحلتها لمناهضة العنف الذي تتعرض له النساء السوريات يومياً:

Empowered Lives. Resilient Nations.

Empowered Lives. Resilient Nations.